باختصار.. هل نعزي المناصب أم نواسي الأشخاص؟

حمادة عبد العزيز
باختصار.. هل نعزي المناصب أم نواسي الأشخاص؟

في كل مرة يتوفى فيها أحد أقارب مسؤول بارز أو رجل أعمال معروف، تمتلئ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وتزدحم أعمدة الصحف بإعلانات التعزية، وتُرسل البرقيات من كل اتجاه، وكأن الحزن أصبح مناسبة عامة تتسابق فيها الكلمات والعبارات، وتُقاس فيها قيمة الفقد بعدد المعزين، 

هذا المشهد يتكرر بشكل لافت، ويطرح سؤالًا مهمًا: هل نحن نُعزّي الشخص لفقده، أم نُعزّي منصبه ومكانته؟ وهل التعزية أصبحت انعكاسًا للنفوذ الاجتماعي أكثر من كونها تعبيرًا صادقًا عن المواساة الإنسانية؟ 

على الجانب الآخر، حين يفقد إنسان عادي أحد أحبته، تمر لحظة الفقد في صمت نسبي، لا إعلانات مدفوعة، ولا سيل من المنشورات العامة، بل تقتصر التعازي على دائرة ضيقة من الأهل والأصدقاء والجيران، الذين يشاركون الحزن بصدق بعيدًا عن الأضواء،وكلما كان الفقيد فقيرا أو من عائلة صغيرة ضاقت دائرة المواساة وأصبحت قليلة جدا.

هذا التباين لا يعني بالضرورة غياب التعاطف مع غير أصحاب المناصب، لكنه يكشف عن خلل في طريقة التعبير عنه، حيث تختلط المشاعر الإنسانية أحيانًا بالمصالح أو المجاملات الاجتماعية، فيتحول العزاء من قيمة أخلاقية إلى سلوك اجتماعي تحكمه الحسابات، منصة مصر الإخبارية

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في تضخيم هذا المشهد، إذ أصبح العزاء في بعض الأحيان وسيلة للظهور أو إثبات الحضور، وليس فقط لمواساة صاحب المصاب، وهو ما يفرغ التعزية من معناها الحقيقي، 

ورغم ذلك، يبقى العزاء الحقيقي هو ذاك الذي لا يُعلن، ولا يُقاس بعدد الكلمات، بل يُقاس بالمواقف الصادقة، وبالوقوف إلى جانب صاحب الفقد في لحظات ضعفه، فالكلمة الطيبة الصادقة من شخص قريب قد تكون أعمق أثرًا من مئات الرسائل الرسمية،

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: التعزية ليست واجبًا اجتماعيًا يُؤدى أمام الناس، بل موقف إنساني يُقاس بصدقه، ومن يُعزّي بصدق لا يحتاج إلى إعلان، ومن يتألم لا يحتاج إلى منصب ليُواسَى، منصة مصر الإخبارية