"في نفس يعقوب حاجة".. قصة عبارة صارت مثلا لكل مشغول ومضمر

بقلم الدكتور / أحمد الخطيب بمديرية أوقاف أسيوط

تردّد على ألسنتنا كثيرًا عبارة: "في نفس يعقوب حاجة" نقولها عندما نرى شخصًا يتصرّف تصرفًا يبدو غريبًا، أو يصرّ على أمرٍ دون أن يبيّن سببه، فنفهم أنه يخفي أمرًا في نفسه.

لكن.. ما أصل هذه العبارة؟ وما هي "الحاجة" التي كانت في نفس نبي الله يعقوب عليه السلام؟

 أصل القصة في القرآن

قال تعالى عن يعقوب عليه السلام وهو يودّع أبناءه قبل دخولهم على يوسف:  

﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: 67].

فسّر العلماء هذا الفعل بأنه كان خوفًا عليهم من العين والحسد، فهم إخوة أقوياء ذو هيئة حسنة. فأمرهم بالتفرق ليكون ذلك أبعد للعين، وأحفظ لهم بإذن الله.

ثم قال تعالى بعدها مباشرة:  

﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 68].

فصار قوله "لا تدخلوا من باب واحد" هو "الحاجة" التي كانت في نفس يعقوب، أي الأمر الخفي الذي قصده ولم يصرّح به لأبنائه ابتداءً، وهو شفقته وخوفه عليهم.

 متى تصفى نفس يعقوب من الحوائج؟

نفس يعقوب لم تكن مشغولة بهوى أو مكر، بل كانت مشغولة *بالشفقة، والحذر، والتوكل على الله*.  

و"تصفى" نفس المؤمن من الحوائج الدنيوية حين يسلّم أمره لله، ويعلم أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

فالعبارة لم تذمّ يعقوب، بل مدحته. فهو نبيٌّ كريم أخذ بالأسباب، وحذر من المكروه، ثم فوّض الأمر لله فقال:  

﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].

الدروس المستفادة

1. "الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل": يعقوب أمر أبناءه بالتفرق، ثم قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾.

2. "مشاعر الأبوة والشفقة ليست ضعفًا": فالأنبياء أرقّ الناس قلوبًا.

3. "ليس كل ما يُكتم شرًّا": فبعض الأمور يُحسن إخفاؤها دفعًا للضرر أو حفظًا للمصلحة.

4. "الطمأنينة في التسليم لله": فبعد الأخذ بالسبب يأتي قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾.

خاتمة

فإذا سمعت يومًا من يقول: "في نفسي حاجة كحاجة يعقوب"، فاعلم أنه قد يكون يحمل همًّا، أو يخفي شفقة، أو يدبّر أمرًا لم يحن وقت كشفه.  

فلا تستعجل الحكم، وكن لينًا رفيقًا، فربما كان في نفسه ما لو علمته لعذرته.

اللهم نقِّ قلوبنا من كل حاجةٍ لا ترضيك، واملأها بحاجتك التي لا تنقضي: رضاك والجنة.