باختصار.. اللت والعجن.. حين تتحول المجالس إلى غيبة ونميمة

حمادة عبد العزيز
باختصار.. اللت والعجن.. حين تتحول المجالس إلى غيبة ونميمة

تنتشر في كثير من المجتمعات ظاهرة “اللّت والعجن” في الحديث، حيث تجد فئة من الناس لا تملّ من الكلام ليل نهار، سواء كان بحق أو بغير حق. ينشغل هؤلاء بتكرار الأحاديث عن الآخرين، فيسردون تفاصيل حياتهم: من قال ماذا، ومن ذهب إلى أين، ومن ربح ومن خسر، حتى تتحول المجالس إلى ساحات مفتوحة لتداول أخبار الناس والخوض في أعراضهم دون وازع أو ضابط.
وغالبًا ما تميل هذه الفئة إلى الابتعاد عن العمل المنتج، مفضّلة الجلوس على المقاهي أو “المصاطب”، حيث يجدون في الحديث عن الآخرين متعة ووسيلة لتمضية الوقت. ولا يكتفون بالسرد، بل يتجاوزون ذلك إلى إصدار الأحكام، وكأنهم قضاة يفصلون في شؤون الناس، غير مدركين خطورة ما يقترفون من تجاوزات أخلاقية ودينية.
إن ما يغفل عنه هؤلاء أن ألسنتهم قد تكون سببًا في تعرضهم لعقاب شديد، إذا لم يتداركوا أنفسهم بالتوبة والاستغفار. فالإسلام شدد على حرمة الغيبة والنميمة، وعدّهما من كبائر الذنوب التي تفسد العلاقات وتزرع العداوة بين الناس. وقد نهى الله تعالى صراحة عن ذلك في قوله: "ولا يغتب بعضكم بعضًا"، محذرًا من هذا السلوك الذي يهدم القيم الإنسانية.
كما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الغيبة حين قال: “ذكرك أخاك بما يكره”، موضحًا أن الحديث عن الآخرين بما يسيء إليهم إن كان صحيحًا—يُعد غيبة، فكيف إذا كان كذبًا وافتراءً؟! وهو ما يضاعف الإثم ويزيد من خطورته.
ولم يقف الأمر عند الغيبة، بل امتد النهي ليشمل سوء الظن والتجسس، حيث أمر الله تعالى باجتناب كثير من الظن، لما يحمله من إساءة وتعدٍّ على خصوصيات الآخرين، كما نهى عن تتبع العورات، مؤكدًا أن من يتتبع عورات الناس يفضحه الله ولو في بيته.
وفي المقابل، دعا الإسلام إلى ستر الناس وعدم فضحهم، وجعل ذلك من أعظم القربات، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة”، في رسالة واضحة تحث على صون الكرامة الإنسانية ونشر روح الأخوة بين أفراد المجتمع.
في النهاية، تبقى الكلمة أمانة، واللسان سلاحًا قد يبني أو يهدم. فإما أن يكون وسيلة للخير والإصلاح، أو سببًا في الإفساد والوقوع في الذنوب. ومن هنا، يصبح لزامًا على كل إنسان أن يراجع نفسه، وأن يزن كلماته قبل أن ينطق بها، حتى لا يكون ممن يندمون حين لا ينفع الندم.