باختصار.. من غشنا فليس منا

حمادة عبد العزيز
باختصار.. من غشنا فليس منا

لا يختلف اثنان على أن الغش سلوك مرفوض ومذموم، فقد حرمته الأديان السماوية ورفضته الأعراف والقيم الإنسانية لما يسببه من ظلم وإهدار للحقوق وإفساد للمجتمعات. وقد حسم النبي صلى الله عليه وسلم الأمر عندما قال: «من غشنا فليس منا»، وهو توجيه واضح يؤكد أن الغش بجميع صوره وأشكاله لا يمكن قبوله أو التهاون معه.

والحقيقة أن البعض يخطئ عندما يحاول التفرقة بين أنواع الغش، فيعتبر بعض الصور أكثر خطورة من غيرها. فالغش التجاري الذي يضر بالمستهلكين، والغش الغذائي الذي يهدد صحة الناس، والغش في المعاملات الذي يهدم الثقة بين أفراد المجتمع، والغش في الامتحانات الذي يهدر مبدأ تكافؤ الفرص، كلها أوجه لمرض واحد عنوانه غياب الأمانة والصدق.

وخلال امتحانات الشهادة الإعدادية هذا العام، تابعنا وقائع مؤسفة تعرض فيها بعض المعلمين والمعلمات لضغوط واعتداءات لفظية وجسدية بسبب تمسكهم بتطبيق القواعد ورفضهم السماح بالغش داخل اللجان. والأكثر أسفًا أن بعض أولياء الأمور كانوا طرفًا في هذه الممارسات، بدافع الرغبة في تحقيق النجاح لأبنائهم بأي وسيلة، حتى وإن كانت مخالفة للدين والقانون والأخلاق.

إن من يطالب بفتح اللجان أمام الغش بحجة مساعدة الطلاب يغفل حقيقة مهمة، وهي أن النجاح الذي يأتي بغير جهد لا يصنع إنسانًا قادرًا على تحمل المسؤولية، ولا يخرج طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا يمتلك الكفاءة اللازمة لخدمة المجتمع. بل إن ضرره يمتد إلى الجميع عندما يتقدم غير المستحق على حساب المجتهد الذي بذل الوقت والجهد من أجل تحقيق النجاح.

التعليم لم يكن يومًا مجرد الحصول على درجات أو شهادات، بل هو عملية بناء للإنسان قبل أن يكون وسيلة للحصول على وظيفة أو مكانة اجتماعية. لذلك فإن ترسيخ قيم الأمانة والاجتهاد واحترام القانون داخل المدارس لا يقل أهمية عن تدريس العلوم والمعارف المختلفة.

إن المجتمع الذي يتسامح مع الغش في الامتحانات لا يملك الحق في الشكوى لاحقًا من انتشار الفساد أو ضعف الكفاءات، لأن احترام القواعد يبدأ من أبسط المواقف، ومن بينها أداء الامتحانات بنزاهة وعدالة.

ولهذا فإن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق المعلمين وحدهم، بل هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية، من أجل غرس قيمة الصدق في نفوس الأبناء، وإقناعهم بأن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بالاجتهاد والعمل.

ويبقى المبدأ ثابتًا لا يتغير بتغير الزمان أو الظروف: من أراد النجاح فليطلبه بالعلم والجهد، أما الغش فلن يصنع مستقبلًا، ولن يبني مجتمعًا قويًا، وسيظل مرفوضًا مهما حاول البعض تبريره أو تجميله.