ربع قرن على 11 سبتمبر.. يوم غيّر وجه العالم وفتح الباب أمام الحروب على العالم الإسلامي

منصة مصر
ربع قرن على 11 سبتمبر.. يوم غيّر وجه العالم وفتح الباب أمام الحروب على العالم الإسلامي

في صباح الثلاثاء 11 سبتمبر 2001، تعرضت الولايات المتحدة لهجمات إرهابية منسقة استهدفت رموزًا اقتصادية وسياسية وعسكرية، وأسفرت عن مقتل ما يقرب من 3 آلاف شخص، لتصبح تلك الأحداث واحدة من أكثر الوقائع تأثيرًا في السياسة الدولية خلال القرن الحادي والعشرين.

ووفقًا للتقرير النهائي للجنة التحقيق الأمريكية في هجمات 11 سبتمبر، بدأت الأحداث في الساعة 8:46 صباحًا بالتوقيت المحلي لمدينة نيويورك، عندما اصطدمت طائرة «أمريكان إيرلاينز» الرحلة 11 بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي.

وبعد نحو 17 دقيقة، وفي الساعة 9:03 صباحًا، اصطدمت طائرة «يونايتد إيرلاينز» الرحلة 175 بالبرج الجنوبي.

وفي الساعة 9:37 صباحًا، اصطدمت طائرة «أمريكان إيرلاينز» الرحلة 77 بمبنى وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» بالقرب من واشنطن.

أما الطائرة الرابعة، «يونايتد إيرلاينز» الرحلة 93، فتحطمت في ولاية بنسلفانيا عند الساعة 10:03 صباحًا، بعد مقاومة الركاب لمحاولة الخاطفين السيطرة على الطائرة.

وانهار البرج الجنوبي في الساعة 9:59 صباحًا، ثم انهار البرج الشمالي في الساعة 10:28 صباحًا، وفق التسلسل الزمني الذي وثقته لجنة 11 سبتمبر.

تنظيم القاعدة والمسؤولية عن الهجمات

خلصت التحقيقات الرسمية الأمريكية إلى أن الهجمات نفذها 19 خاطفًا مرتبطون بتنظيم «القاعدة»، وأن أسامة بن لادن وقيادة التنظيم كانا في قلب التخطيط للعملية.

وكانت الولايات المتحدة قد حاولت قبل الهجمات الضغط على نظام طالبان في أفغانستان لوقف توفير ملاذ لتنظيم القاعدة وتسليم بن لادن، إلا أن تلك الجهود لم تؤد إلى النتيجة التي كانت واشنطن تسعى إليها.

ومن المهم هنا التأكيد على أن مسؤولية تنظيم القاعدة عن الهجمات لا تعني تحميل الإسلام أو المسلمين مسؤولية ما حدث؛ فالتنظيم كان جماعة مسلحة تتبنى تفسيرًا متطرفًا للدين، بينما يمثل المسلمون حول العالم مجتمعات ودولًا واتجاهات فكرية وسياسية متنوعة.

الصدمة السياسية.. بداية مرحلة جديدة في العلاقات الدولية

لم تتوقف تداعيات 11 سبتمبر عند حدود الولايات المتحدة، وإنما أدت إلى إعادة صياغة جزء كبير من السياسة الدولية تحت عنوان «الحرب على الإرهاب».

وفي أعقاب الهجمات، بدأت الولايات المتحدة حربًا في أفغانستان في أكتوبر 2001 بهدف إسقاط نظام طالبان وملاحقة تنظيم القاعدة، قبل أن تدخل واشنطن بعد ذلك في حرب العراق عام 2003، رغم أن العراق لم يكن هو الجهة التي نفذت هجمات 11 سبتمبر.

وأصبحت مكافحة الإرهاب أولوية رئيسية في السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية، كما شهدت العلاقات الدولية توسعًا في التعاون الأمني والاستخباراتي، وتشديدًا على مراقبة حركة الأموال والسفر والاتصالات المرتبطة بالإرهاب.

قوانين أمنية غيرت العلاقة بين الدولة والحريات

كان من أبرز النتائج السياسية الداخلية في الولايات المتحدة إقرار «قانون الوطنية الأمريكي» المعروف باسم Patriot Act، والذي وسع صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات في مجالات المراقبة والتحقيق وملاحقة المشتبه في ارتباطهم بالإرهاب.

كما أدى إنشاء وزارة الأمن الداخلي الأمريكية إلى إعادة تنظيم جزء كبير من منظومة الأمن وحماية الحدود والهجرة ومواجهة الإرهاب.

وبمرور السنوات، أثارت بعض هذه الإجراءات جدلًا واسعًا حول التوازن بين حماية الأمن القومي والحفاظ على الخصوصية والحريات المدنية.

الاقتصاد الأمريكي.. ضربة مباشرة لمركز المال العالمي

كانت الخسائر الاقتصادية لهجمات 11 سبتمبر كبيرة، ليس فقط بسبب تدمير مركز التجارة العالمي، وإنما نتيجة الاضطراب الذي أصاب الأسواق والمؤسسات المالية والنقل والسياحة والتأمين.

ويشير تاريخ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى أن الهجمات أحدثت اضطرابات واسعة في الأسواق المالية الأمريكية، واضطرت مؤسسات مالية رئيسية إلى نقل عملياتها إلى مواقع بديلة بعد تضرر منشآتها في منطقة مركز التجارة العالمي.

كما توقفت الأسواق المالية الأمريكية لعدة أيام، وتعرض قطاعا الطيران والسياحة لخسائر كبيرة، وارتفعت تكاليف التأمين والأمن، بينما اضطرت الحكومة الأمريكية والاحتياطي الفيدرالي إلى اتخاذ إجراءات استثنائية للحفاظ على استقرار النظام المالي ومنع انتقال الصدمة إلى الاقتصاد بصورة أكبر.

ولم تكن التأثيرات الاقتصادية محلية فقط، إذ انعكست حالة الخوف وعدم اليقين على حركة السفر والاستثمار والتجارة الدولية، وأصبحت إجراءات الأمن جزءًا أكثر حضورًا في تكلفة النقل والتجارة والسفر حول العالم.

من «الإرهاب» إلى «الإسلام».. كيف نشأت موجة الإسلاموفوبيا؟

من أكثر الآثار الاجتماعية والسياسية إثارة للجدل بعد 11 سبتمبر انتقال صورة الإرهاب في قطاعات من الإعلام والخطاب السياسي الغربي من كونها مرتبطة بتنظيمات وأفراد محددين إلى ربطها أحيانًا بالإسلام والمسلمين بصورة أوسع.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: مواجهة التنظيمات الإرهابية من ناحية، وتحويل دين كامل أو ملايين المسلمين إلى موضع اشتباه من ناحية أخرى.

وتظهر الدراسات أن المسلمين تعرضوا بالفعل بعد الهجمات لارتفاع في مستويات التمييز والعداء. فقد خلصت دراسة أكاديمية شملت مسلمين بريطانيين إلى ارتفاع التمييز غير المباشر بنسبة 82.6% والتمييز المباشر بنسبة 76.3% بعد أحداث 11 سبتمبر.

وفي الولايات المتحدة، أظهرت بيانات حديثة لمركز «بيو» أن آثار 11 سبتمبر ما زالت حاضرة في نظرة بعض الأمريكيين إلى الإسلام والمسلمين، وأن نسبة من يرون الإسلام أكثر تشجيعًا على العنف من الديانات الأخرى ارتفعت مقارنة بما كانت عليه في الأشهر الأولى التي أعقبت الهجمات. كما أفاد مسلمون أمريكيون بتعرضهم لأشكال مختلفة من التمييز بعد الهجمات.

الإعلام وصناعة الصورة النمطية

لعب الإعلام دورًا مهمًا في تشكيل صورة المسلمين في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر. فالتغطية المتكررة لمشاهد الإرهاب وربطها بمصطلحات مثل «الإسلامي» أو «الجهادي» في بعض وسائل الإعلام ساهمت لدى قطاعات من الجمهور في تكوين ارتباط ذهني بين الإسلام والإرهاب، رغم أن الإرهاب ظاهرة سياسية وأمنية لا يمكن اختزالها في دين أو جنسية.

كما ساهمت الأعمال السينمائية والدرامية وبعض الخطابات السياسية في تكريس صور نمطية عن العرب والمسلمين، وهو ما أصبح موضوعًا للدراسة والجدل في الجامعات ومراكز الأبحاث الغربية.

وفي المقابل، صدرت أيضًا مواقف سياسية ودينية وإعلامية غربية شددت على ضرورة عدم الخلط بين الإسلام والإرهاب. وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش قد أكد بعد أيام من الهجمات أن الإرهاب لا يمثل الإسلام، في محاولة للفصل بين التنظيمات المتطرفة والدين الإسلامي.

هل استُخدمت أحداث 11 سبتمبر ضد الإسلام؟

يمكن القول، استنادًا إلى الوقائع والدراسات، إن أحداث 11 سبتمبر استُخدمت في بعض السياقات السياسية والإعلامية لتوسيع سياسات مكافحة الإرهاب بصورة أثرت بصورة خاصة على المسلمين والمهاجرين من دول ذات غالبية مسلمة.

لكن الأدق تاريخيًا ألا يقال إن «الغرب» ككتلة واحدة استخدم الأحداث ضد الإسلام؛ فالسياسات اختلفت بين الحكومات والأحزاب والمجتمعات، كما أن داخل الولايات المتحدة وأوروبا نفسها ظهرت أصوات سياسية وقانونية وحقوقية عارضت التمييز ضد المسلمين وانتقدت الإفراط في الإجراءات الأمنية.

لذلك فإن التعبير الأكثر دقة هو أن بعض الحكومات والتيارات السياسية ووسائل الإعلام استثمرت مناخ الخوف الذي أعقب 11 سبتمبر في تبني سياسات وخطابات ساهمت في زيادة الاشتباه والتمييز تجاه المسلمين.

العراق.. حرب ارتبطت بعالم ما بعد 11 سبتمبر رغم غياب الصلة المباشرة

من أكثر القضايا التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط بعد الهجمات الحرب الأمريكية على العراق عام 2003.

فالعراق لم يكن هو الدولة التي نفذت هجمات 11 سبتمبر، كما أن الجدل حول أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق أصبح لاحقًا واحدًا من أكبر الملفات السياسية التي أثرت في صورة الولايات المتحدة عالميًا.

وأدت الحرب إلى سقوط نظام صدام حسين، لكنها فتحت كذلك الباب أمام سنوات طويلة من الصراع المسلح وعدم الاستقرار، وكان لها تأثير واسع على توازنات المنطقة وصعود جماعات مسلحة جديدة.

من أفغانستان إلى الشرق الأوسط.. إرث طويل للحرب على الإرهاب

لم تنتهِ تداعيات 11 سبتمبر بانتهاء العمليات العسكرية الأولى في أفغانستان والعراق، بل امتدت لسنوات طويلة.

وأصبحت المنطقة العربية والشرق الأوسط ساحة رئيسية لعمليات مكافحة الإرهاب والصراعات المسلحة، فيما أدى تفكك بعض الدول والحروب الأهلية والتدخلات العسكرية إلى ظهور تنظيمات أكثر تطرفًا في مراحل لاحقة.

كما أسهمت الحرب الطويلة في أفغانستان والعراق في فتح نقاش واسع داخل الولايات المتحدة وحلفائها حول جدوى التدخلات العسكرية الخارجية، وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية.

25 عامًا.. ماذا بقي من 11 سبتمبر؟

بعد ربع قرن، لم تعد 11 سبتمبر مجرد ذكرى لهجوم إرهابي استهدف الولايات المتحدة، بل أصبحت نقطة فاصلة في التاريخ الحديث.

فبعدها تغيرت قواعد السفر والطيران، وتشددت الإجراءات الأمنية في المطارات، واتسعت صلاحيات أجهزة الأمن والاستخبارات، وأصبحت مكافحة الإرهاب محورًا أساسيًا في السياسة الدولية، بينما دخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في حروب وصراعات استمرت آثارها لعقود.

وفي الوقت نفسه، بقيت قضية الإسلاموفوبيا واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية المرتبطة بإرث 11 سبتمبر إثارة للجدل، بعدما دفع ملايين المسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا ثمنًا اجتماعيًا وسياسيًا لممارسات تنظيمات لا تمثلهم.

وبينما تبقى ذكرى ضحايا الهجمات حاضرة في الولايات المتحدة والعالم، فإن الدرس الأوسع الذي تفرضه الذكرى هو ضرورة الفصل بين الإرهاب كجريمة وتنظيمات محددة تتحمل مسؤولية أفعالها، وبين دين يعتنقه أكثر من مليار إنسان حول العالم.

فقد غيّرت 11 سبتمبر السياسة الدولية، لكنها كشفت أيضًا خطورة تحويل الخوف من الإرهاب إلى أحكام جماعية على الشعوب والأديان، وهي قضية لا تزال حاضرة بعد 25 عامًا من ذلك الصباح الذي غيّر وجه العالم.