باختصار.. غاب السلام بيننا فتراجع الخير في مجتمعنا

حمادة عبد العزيز
باختصار.. غاب السلام بيننا فتراجع الخير في مجتمعنا

يعد السلام من أعظم الشعائر الإسلامية التي أرساها النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين المسلمين، فهو ليس مجرد تحية عابرة أو كلمات تُقال عند اللقاء، بل رسالة محبة وأمان ومودة، وجسر يربط القلوب ويقوي أواصر المجتمع. ومع ذلك، أصبحنا نعيش في زمن تراجعت فيه هذه السنة النبوية العظيمة بشكل ملحوظ، حتى كادت تختفي من كثير من مظاهر حياتنا اليومية.
لقد حث النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على إفشاء السلام بين الناس دون تفرقة بين قريب أو بعيد، أو معروف ومجهول. فعندما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي الإسلام خير؟» قال: «تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» رواه البخاري ومسلم. ويقول الإمام النووي رحمه الله في شرح الحديث: "أي تسلم على كل من لقيته عرفته أم لم تعرفه، ولا تخص به من تعرفه كما يفعل كثير من الناس".
ظاهرة مقلقة في المدن والمجتمعات الحديثة

المتأمل في واقعنا اليوم يلاحظ أن إلقاء السلام أصبح سلوكا نادرا في كثير من المدن والمجتمعات الحضرية. ففي الشوارع ووسائل المواصلات والأسواق وأماكن التجمعات المختلفة، يمر الناس بجوار بعضهم البعض دون تحية أو تواصل، وكأن كل فرد يعيش في عالم منفصل عن الآخر.
والأمر لا يتوقف عند الغرباء فحسب، بل امتد في بعض الأحيان إلى الجيران أنفسهم، حيث تجد من يسكنون في بناية واحدة أو شارع واحد لا يعرف بعضهم بعضًا، وربما لا يتبادلون السلام إلا في أضيق الحدود. أما في القرى فما زالت هذه السنة موجودة ولكن ليست بالوضع قديما واصبح هناك تراجع كبير لهذه السنة المحمدية بالارياف مع تغير أنماط الحياة والبعد عن الدين  وتزايد الانشغال بالماديات فأصبح السلام مرتبط بصلة او مصلحة دنيوية.

السلام مفتاح لدخول الجنة
إن السلام ليس مجرد كلمات تُقال باللسان، بل هو وسيلة عظيمة لدخول الجنة والبعد عن النار. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم تلك العلاقة الوثيقة في الحديث النبوي فقال: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» رواه مسلم.
فالحديث الشريف يوضح ببساطة إن إفشاء السلام والتمسك بالسلام بين الناس شرط من شروط دخول الجنة والفوز بالآخرة وكذلك الفوز بالدنيا لما له من تأثير كبير على تآلف القلوب وزيادة محبتها والتقارب بين البشر ما ينعكس على المجتمع الخير والرخاء.

أسباب تراجع هذه السنة

تتعدد الأسباب التي أدت إلى تراجع إلقاء السلام بين الناس، ومن أبرزها الانشغال الدائم بأعباء الحياة ومتطلباتها، والانغماس في وسائل التكنولوجيا والهواتف المحمولة، فضلاً عن انتشار النزعة الفردية التي جعلت كثيرًا من الناس أقل اهتمامًا بالتواصل الاجتماعي المباشر.
كما أن الكبر والتعالي على الآخرين يمثلان أحد أخطر الأسباب التي تدفع بعض الأشخاص إلى الامتناع عن إلقاء السلام، رغم ما في ذلك من مخالفة واضحة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. فالسلام عبادة قبل أن يكون عادة، ومن يتكبر عن هذه العبادة يحرم نفسه من أجر عظيم وثواب كبير.
حسنات عظيمة بكلمات قليلة
ومن فضل الله تعالى أن جعل إلقاء السلام سببًا لمضاعفة الحسنات بأيسر الأعمال. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلًا مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «السلام عليكم»، فقال النبي: «عشر حسنات». ثم مر آخر فقال: «السلام عليكم ورحمة الله»، فقال: «عشرون حسنة». ثم مر ثالث فقال: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، فقال: «ثلاثون حسنة».
وفي هذا دلالة واضحة على عظم الأجر المترتب على هذه الكلمات القليلة التي لا تستغرق سوى ثوان معدودة، لكنها تحمل في ميزان الأعمال ثوابًا عظيمًا.
دعوة لإحياء سنة مهجورة
إن إحياء سنة السلام لا يحتاج إلى جهد كبير أو تكلفة مادية، بل يحتاج إلى استشعار فضلها والحرص عليها. فليبدأ كل واحد منا بإلقاء السلام على جيرانه وزملائه ومن يلقاهم في الطرقات والمتاجر ووسائل المواصلات، وليحرص على تعليم أبنائه هذه السنة العظيمة وترسيخها في نفوسهم.
فإذا عاد السلام إلى حياتنا عاد معه كثير من الود والتراحم والتآلف الذي نفتقده اليوم، واستعدنا إحدى أجمل السنن النبوية التي تجعل المجتمع أكثر ترابطا وإنسانية.