عندما تصبح المصلحة معيارا للصواب والخطأ

حمادة عبد العزيز
عندما تصبح المصلحة معيارا للصواب والخطأ

من أخطر الظواهر التي أصبحت تحيط بنا في حياتنا اليومية أن المبادئ لم تعد ركيزة ثابتة لدى كثير من الناس، بل أصبحت تتغير وتتحرك بتغير الأشخاص والمصالح. فالخطأ والعيب لم يعودا أمرين مرفوضين على إطلاقهما، وإنما أصبح الحكم عليهما مرتبطًا بالسؤال: من الشخص ارتكب الخطأ؟ وهل يصب هذا التصرف في مصلحتي أم يضرني؟
ولم يعد المعيار الثوابت والمبادئ بل أصبحت المصلحة الشخصية من تهيمن على تحديد الخطأ من الصواب والعكس.
فإذا صدر الخطأ مني أو من أحد أقاربي أو المقربين إليّ، نسارع في البحث عن المبررات، واعتربنا هذا الخطأ شىء غير مقصود أو انه  مجرد اجتهاد أو زلة يمكن التغاضي عنها ولا تستوجب عقابا ولا محاسبة
 أما إذا صدر الفعل نفسه من شخص غريب، أو من شخص بيننا وبينه شحناء أو منافسة، فسرعان ما تتوجه سيوف النقد إليه ونصفه بأبشع الصفات، ونطالب الجميع بمحاربته وإدانته وتطبيق القانون عليه.

هذه المعايير المتذبذة  تظهر بوضوح في تفاصيل حياتنا اليومية. فكم من شخص يهاجم وينتقد "الكوسة" والمحسوبية وتسهيل الإجراءات على حساب الآخرين، لكنه إذا كان هو المستفيد من هذا التسهيل، تغير موقفه تمامًا، وأصبح يراه أمرًا طبيعيًا، بل قد يتباهى به أمام الناس، وكأنه إنجاز شخصي لا يستحق النقد أو المراجعة.
والأمر لا يتوقف عند المحسوبية فقط، بل يمتد إلى تقييمنا للأشخاص وتصرفاتهم. فإذا أخطأ قريب أو صديق، التمسنا له الأعذار، وقلنا إن الظروف أجبرته أو إن نيته كانت حسنة. أما إذا ارتكب الفعل نفسه شخص لا تربطنا به أي علاقة، فإننا نصدر عليه الأحكام القاسية دون تردد، وكأن الخطأ يتغير بتغير صاحبه.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فالمبادئ لا ينبغي أن تُقاس بالمصلحة، ولا أن تتبدل بتبدل الأشخاص. فالعدل لا يكون عدلًا إذا طبقناه على خصومنا فقط، والأمانة لا تكون أمانة إذا طالبنا بها الآخرين واستثنينا أنفسنا منها. والحق لا يصبح باطلًا لأن من قاله لا نحبه، كما أن الباطل لا يتحول إلى حق لأن من ارتكبه قريب أو صديق.
إن المجتمع لا يستقيم بازدواجية المعايير، وإنما يستقيم عندما نخضع جميعًا لميزان واحد، لا يفرق بين قريب وبعيد، ولا بين صديق وخصم، ولا بين من يحقق لنا مصلحة ومن تتعارض مصالحنا معه.
المبادئ الحقيقية لا تتغير بتغير الأشخاص، ولا تتبدل بتبدل المنفعة والمصالح. فالخطأ يظل خطأً مهما كان مرتكبه، والحق يظل حقًا مهما كان قائله.
وعندما نصل إلى هذه القناعة، نكون قد وضعنا أول خطوة على طريق مجتمع أكثر عدلًا وإنصافا ،مجتمع   تسيطر عليه المبادئ وتحكمه الأسس الصحيحة وليست المصالح، وتُقاس فيه الأفعال بمعيار واحد، لا بمعيار الهوى او المنفعة.