حين يتعلم الطفل أن يرد الضربة بضربة.. من يزرع العنف في براءة الصغار؟

حمادة عبد العزيز
حين يتعلم الطفل أن يرد الضربة بضربة.. من يزرع العنف في براءة الصغار؟

«خلي بالك من نفسك.. واللي يضربك اضربه».. كلمات قد تبدو للوهلة الأولى مجرد وصية عابرة من أخ لأخيه الصغير الذي يخطو خطواته الأولى نحو الحضانة، لكنها في الحقيقة تحمل دلالات أعمق بكثير، وتكشف عن حالة من العنف أصبحت حاضرة في تفاصيل حياتنا اليومية، حتى تسللت إلى عالم الأطفال وبراءتهم.

فالطفل الذي يستعد للذهاب إلى الحضانة لا يحتاج في بداية طريقه إلى نصيحة تعلمه كيف يضرب، بقدر ما يحتاج إلى أن يتعلم كيف يحافظ على نفسه، وكيف يطلب المساعدة، وكيف يتعامل مع الآخرين بالحوار والاحترام، وكيف يفرق بين الدفاع عن النفس وبين الاعتداء على الآخرين.

العنف يبدأ أحيانًا بكلمة

المشكلة ليست في الجملة وحدها، وإنما في الثقافة التي تقف خلفها. فعندما يصبح أول ما يتعلمه الطفل عن التعامل مع الآخرين هو «اضرب من يضربك»، فإننا نكون أمام مؤشر يحتاج إلى التوقف أمامه، لأن العنف لا يولد فجأة عندما يكبر الإنسان، وإنما قد تبدأ جذوره من كلمات ومواقف صغيرة يسمعها الطفل ويخزنها في داخله.

وفي المقابل، نجد أننا نتحدث كثيرًا عن الأخلاق والتسامح والرحمة واحترام الآخرين، ونسمع هذه المعاني في وسائل الإعلام وفي خطب الجمعة وفي المناسبات المختلفة، لكن المشكلة أن بعض هذه القيم تتحول مع الوقت إلى مجرد كلمات نسمعها ثم نغادر مكانها دون أن تجد طريقها الحقيقي إلى سلوكنا اليومي.

الأطفال مرآة للمجتمع

الأطفال في النهاية مرآة لما يرونه ويسمعونه من الكبار. فإذا نشأ الطفل في بيئة يسودها الحوار والاحترام والرحمة، فمن الطبيعي أن يكتسب هذه الصفات. أما إذا وجد أن القوة هي الحل، وأن الضربة لا ترد إلا بضربة، وأن من يرفع صوته هو الأقوى، فمن الصعب أن نطالبه عندما يكبر بأن يكون مختلفًا تمامًا عما تعلمه في سنواته الأولى.

ولهذا فإن مسؤولية الأسرة لا تتوقف عند توفير الطعام والملبس والتعليم، وإنما تمتد إلى تشكيل شخصية الطفل وطريقة نظرته إلى الآخرين وإلى الحياة.

بين الدين والسلوك

التعاليم الدينية جاءت لترسيخ الرحمة والتسامح وحفظ حقوق الناس، وليس لتربية أجيال لا تعرف إلا لغة القوة والعنف. وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الحث على الرحمة وحسن التعامل، ولذلك فإن الفارق كبير بين أن نردد القيم الدينية بألسنتنا وبين أن تتحول هذه القيم إلى سلوك نمارسه أمام أبنائنا.

فالطفل الذي يشاهد والديه وهما يحلان الخلافات بالحوار، ويتعاملان مع الآخرين باحترام، ويتجنبان الإهانة والعنف، يتعلم درسًا عمليًا ربما يكون أقوى تأثيرًا من عشرات المواعظ.

نحتاج أن نراجع ما نعلمه لأطفالنا

ربما تكون هذه الجملة البسيطة فرصة لأن نراجع أنفسنا: ماذا نقول لأطفالنا عندما يذهبون إلى الحضانة أو المدرسة؟ هل نعلمهم كيف يواجهون المشكلات بالعنف، أم نعلمهم كيف يحافظون على حقوقهم دون الاعتداء على حقوق الآخرين؟

نحتاج أن نربي أبناءنا على القوة، نعم، ولكنها قوة الشخصية وليست قوة اليد، وعلى الدفاع عن النفس دون تحويل الدفاع إلى اعتداء، وعلى رفض الظلم دون أن يصبحوا جزءًا من دائرة العنف.

فالطفولة مساحة للبراءة، وكل كلمة يسمعها الطفل اليوم قد تصبح جزءًا من شخصيته غدًا.

وإذا كنا نريد مجتمعًا أكثر أمنًا ورحمة، فعلينا أن نبدأ من حيث تبدأ الحكاية.. من الطفل، ومن الكلمة التي يسمعها داخل بيته، ومن القدوة التي يراها أمام عينيه.

فربما لا يحتاج أطفالنا إلى أن نقول لهم «اضرب من يضربك»، بقدر ما يحتاجون أن نقول لهم: «خلي بالك من نفسك.. واحترم غيرك.. ولو واجهت مشكلة، اطلب المساعدة ولا تؤذِ أحدًا».